ما معنى المدثر
جاءت كلمة المدثر وتم تكريم تلك الكلمة، فقد تم تسمية سورة كاملة في القرآن الكريم باسمها، يأتي معنى كلمة المدثر في أصل اللغة العربية على أنها اسم لعلم مذكر، وبحسب وزنه الصرفي فهو من على تصريف اسم الفاعل من الفعل “ادثَّر”، ويأتي هذار الفعل دائماً مع الملابس الشتوية، أو المستخدمة في التدفئة، فعندما نقوم ادَّثَّر محمد بالثوب، أي أنه استدفأ به، ويتميز اسم المدثر بالإضغام، وهو إضغام التاء قبل الدال، فأصل الكلمة متدثر، ولكن تم إضغام التاء بالدال، وظهر أثرها جلياً في التضغيف على الدال.
- تم ذكر كلمة المدثر كصفة للنبي محمد- صلى الله عليه وسلم-، وجاءت ككلمة لبداية خطاب موجه إليه من المولى- عز وجل-، وعلى هذا فقد أجمع علماء اللغة أن اسم المدثر ليس من أسماء الرسول- (صلى الله عليه وسلم)- وإنما صفة مؤقتة لوصف حال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- عندما نزل عليه الوحي.
يا أيها الْمُدَّثِّرُ
جاءت كلمة المدثر في بداية سورة المدثر، والتي نادى فيها المولى- تبارك وتعالى- سيدنا محمد- صلى الله عليه وسلم- يأمره بالدعوى، ويوحي له بالأمانة التي وضعها على عاتقه، وبدأت السورة بالآيات التالية.
(يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنْذِرْ (2) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (3) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (4) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (5) وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (6) وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ (7) فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (8) فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (9) عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ (10)) (سورة المدثر الآيات العشر الأولى)
تفسير سورة المدثر من 1 إلى 10
جاءت في الآيات العشر الأولى لسورة المدثر بعض الأوامر من المولى- عز وجل- إلى رسوله محمد- صلى الله عليه وسلم-، وانتهت العشر الآيات بنذير من يوم القيامة، وعذابها على الكافرين، فكان تفسيرها كما يلي.
- بدأت الآية الأولى في سورة المدثر بنداء من المولى- تبارك وتعالى- إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بحالته التي كان عليها، فكان تفسير النداء يا أيها المتغطي في ثيابه، أو المتغطي في غطاء، فعندما نزل الوحي أول مرة على رسول الله- ﷺ- من عظم الأمر خاف رسول الله- ﷺ- وعاد إلى منزله، وكان يطلب من أم المؤمنين خديجة- رضي الله عنها- وطلب منها أن تغطيه بغطاء أو بثياب ليتدفأ من هول ما حدث.
- فكان يذكر رسول الله- ﷺ- للسيدة خديجة قوله: (دثريني دثريني) بمعنى غطيني، فغطته السيدة خديجة- رضي الله عنها- حتى هدأ، فكانت الآية تصل حاله عند نزولها.
- بدأت في الآية الثانية الأوامر التي ألقاها المولى- تبارك وتعالى- على قلب نبيه عن طريق الوحي، وكان من أوائل الأوامر لرسول الله- ﷺ- أن يقم من فراشه ويحذر الناس من عذاب الله، حتى وإن أصروا هم على الشرك والعصيان.
- ثم تتوالى الأوامر من المولى- تبارك وتعالى- لرسول الله- ﷺ- فكان الأمر التالي الذي يجاء في الآية الثالثة أن يقوم رسول الله- ﷺ- بتعظيم المولى- تبارك وتعالى- تعظيماً تاماً وأن يقوم بالثناء عليه وتنزيهه من كل ما لا يليق به، وأن يقوم بعبادته وحده بلا شريك له.
- كما أمر المولى- عز وجل- سيدنا محمد- ﷺ- بأن يقوم بتظهير ثيابه من النجاسات، فإن طهارة الظاهر من تمام ظهارة الباطن.
- وجاءت هنا الأمر الأول في القرآن الكريم بترك الأصنام، وذلك عندما أمر الله- عز وجل- رسوله- ﷺ- بأن يهجر الرجز (عبادة الأصنام) وأعمال الشرك كلها، ألا يقربها أبداً.
- ثم نهى المولى- تبارك وتعالى- الرسول- ﷺ- بأن يقوم بالمنّ على المولى- تبارك وتعالى- بما يقوم به من الأعمال لأجله، وفي ذلك تنويه بأن ثمرة العمل ستعود على صاحب العمل وحده، وقد ذكر آخرون أن تفسير الآية بألا يمنن الرسول- ﷺ- على أحد بما يعطيه، فيكثر عليه المن بذلك العطاء فيضيع أجره، ولكن أن يطلب الأجر من الله- تعالى- وحده.
- أما الآية السابعة فهي آخر الأوامر من المولى- عز وجل- في هذه الجزئية من الآيات، وكان الأمر بالصبر على الأوامر والنواهي والإيذاء الذي سيتعرض له في سبيل تلك الدعوة؛ بغرض الفوز برضا ربك وحده.
- كانت الآيات الثلاث الأخيرة تتحدث عن يوم القيامة، ونذير للكافرين من هذا اليوم، فكان تفسير تلك الآيات أنه إذا نفخ في البوق نفخة البعص من القبور، فهذا بداية ليوم صعب وشديد، وهو ليس يوماً سهلاً أبداً على الكافرين، فلن يتمكنوا من النجاة مما هم فيه من الشدائد والكربات.
معنى المدثر عند الشيعة
من الناحية اللغوية وأصلها في اللغة العربية فهي لا خلاف عليها بأنه تعني بأن يتغطى المرء بثوبه أو بغطاء ليقيه من البرد، ولكن فيما يخص تفسير الآية، فيرى بعض علماء وأئمة الشيعة أن الآية قد نزلت لتأمر رسول الله- ﷺ- بأن يبدأ بالدعوة العلنية بعد أن كانت سرية، أي أنها سورة المدثر قد نزلت بعد سورة العلق، وذلك ما يختلف فيه أهل السنة والجماعة، الذين يرون أن سورة المدثر من أوائل السور المكية التي نزلت على رسول الله- ﷺ- وكان أول ما نزل من القرآن الكريم هو قوله -تعالى- (اقرأ).
معنى المدثر والمزمل
ذكرنا فيما سبق المعنى الكافي لكلمة المدثر، ولكن ما معنى كلمة المزمل؟ المزمل هي كلمة مشتقة على وزن اسم الفاعل، من الفعل “إزّمّل، وكلمة المزمل بمعنى الملتف، فجملة مزمل في معطفه تعني ملتف فيه، وجذر الكلمة يعود لكلمة “زمل” أي رافق وصاحب، والتي منها زميل وهو رفيق العمل.
الفرق بين المزمل والمدثر
يذكر العلماء أن العرب فديماً إذا قاموا بذكر المنادي ووصفه لهيئته، سواء كان ذلك من جلسته أو لبسه أو ضجعته، فالمقصود من ذلك في غالب الأحيان هو التلطف والتحبب إليه، وعلى هذا فقد وقع نداء النبي- ﷺ- بقوله الله- تعالى- (يا أيها المزمل) وقوله- تعالى- (يا أيها المدثر)، والمعنى في الكلمتين سواء، ولكن الاختلاف فيما بينها في أصل الاشتقاق، فأصل الاشتقاق في كلمة المزمل من الفعل “تزمّل”، ويرجع أصل الفعل من المدثر هي “تدثر”، وهما يحملان ذات المعنى.
ما سبب نزول سورة المدثر
كان رسول الله- ﷺ- قد اعتزل الناس ومكث يتعبد في ويتأمل في غار حراء مدة شهر كامل، وعندما انتهت هذه المدة، وأراد أن يعود إلى بيته، فإذا به يسمع صوتاً يناديه، الأمر الذي جعله يلتفت لمن حوله، وينظر ويبحث عن الذي يناديه، ولكنه لم ير أحداً، ثم بدأ يسمع الصوت يناديه مرة أخرى، فما أن رفع رسول الله- ﷺ- رأسه إلى الأعلى، فرأى جبريل- عليه السلام- على العرش في الهواء، الأمر الذي أفزع رسول الله- ﷺ- للغاية، وجعله يعود إلى بيته، وهو يطلب من السيدة خديجة- رضي الله عنها- أن تغطيه، بقوله- ﷺ- (دثروني دثروني) فأنزل الله- تعالى في ذلك الحين سورة المدثر.
- يتم الاستدلال على هذا القول من حديث رسول الله- ﷺ- عندما قال: (جاوَرْتُ بحِراءٍ شَهْرًا، فَلَمَّا قَضَيْتُ جِوارِي نَزَلْتُ فاسْتَبْطَنْتُ بَطْنَ الوادِي، فَنُودِيتُ فَنَظَرْتُ أمامِي وخَلْفِي، وعَنْ يَمِينِي، وعَنْ شِمالِي، فَلَمْ أرَ أحَدًا، ثُمَّ نُودِيتُ فَنَظَرْتُ فَلَمْ أرَ أحَدًا، ثُمَّ نُودِيتُ فَرَفَعْتُ رَأْسِي، فإذا هو علَى العَرْشِ في الهَواءِ، يَعْنِي جِبْرِيلَ عليه السَّلامُ، فأخَذَتْنِي رَجْفَةٌ شَدِيدَةٌ، فأتَيْتُ خَدِيجَةَ، فَقُلتُ: دَثِّرُونِي، فَدَثَّرُونِي، فَصَبُّوا عَلَيَّ ماءً، فأنْزَلَ اللَّهُ عزَّ وجلَّ: {يا أيُّها المُدَّثِّرُ (1) قُمْ فأنْذِرْ (2) ورَبَّكَ فَكَبِّرْ (3) وثِيابَكَ فَطَهِّرْ}) (حديث صحيح)