هل الحنث هو مخالفة ما حلف عليه ؟ تداول هذا السؤال كثيرا على مواقع التواصل الاجتماعي ومحركات البحث، فنقوم من خلال هذا المحتوى المقدم من الموسوعة بمعرفة الإجابة عن هذا السؤال هي نعم أم لا، فلا شك أن مخالفة ما حلف عليه نوع من الأمور المذمومة في الإسلام والتي لا يقبل بها ولا يغفر عنها الله إلا عن طريق الكفارة، ولعلنا نتناول هذا الأمر بالتفصيل من خلال النقاط التالية.
الحنث هو مخالفة ما حلف عليه
نريد من خلال هذه الفقرة في هذا المحتوى أن نعرف مدى صحة عبارة أن الحنث هو مخالفة ما حلف عليه، ولعنا نقدم من خلال هذا المحتوى مدى صحة هذه العبارة من خطأها.
- الحنث هو مخالفة ما حلف عليه، فالعبارة صحيحة بكل تأكيد، فيعتبر لفظ الحنث من غير الحديث؛ أي من المعاني والألفاظ الغريبة التي ذكرت في الحديث الشريف عن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم.
- فغريب الحديث هو أقوال ذكرها رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الشريف لم تكن متداوله مسموعة في هذا الوقت غير من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاطلق عليها غريب الحديث الشريف.
- فالحنث في اللغة العربية معناه، هو كل ذنب أو إثم قام بفعله العبد من خلال مخالفة ما حلف عليه، أو معناه مخالفة اليمين، وذلك من خلال عدم وفاء ما حلف عليه العبد والقيام بمخالفته.
- عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (واللهِ لَأَنْ يَلَجَّ أحَدُكم بِيَمينِه في أهلِه: آثَمُ له عندَ اللهِ مِن أن يُعطِيَ كفَّارتَه التي افتَرَضَ اللهُ عليه).
- نستنتج إذن من خلال قول رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحلفان بالله على شيء ما ومخالفة هذا اليمين، إنه لكي يغفر للعبد عن هذا الذنب يجب أن يكفر عن ذنبه من خلال ما آتاه الله تبارك وتعالى في المغفرة للتكفير عن الذنب أو مخالفة اليمين.
الحنث في اليمين
الحنث عرفنا إنه الذنب أو الإثم أو المخالفة، واليمين وهو الحلفان أو القسم، ف الحنث في اليمين هو المخالفة في ما حلف عليه، من خلال أن يقم العبد بفعل ما يخالف أو يعاكس ما حلف عليه.
- فالحنث في اليمين هو إذا قام العبد بالحلف على شيء ما بأن يفعله أو يقم به مثلا، ولكن في الحقيقة هو لم يوفي هذا الحلفان ولم يقم بالشيء الذي حلف أن يقم به.
- ولكي نوضح الحنث في اليمين بطريقة أبسط نعطي مثالا، فعندما يقول الشخص والله لأصلي الظهر، ولكنه لم يم بالفعل أي لم يصلي الظهر، فسمي هذا بحنث اليمين أي مخالقة القسم (والله) وعليه أن يقوم بفعل الذي أقسم أن يفعله وهي صلاة الظهر، أو إذا تجاوز الوقت يقم بالتكفير عن هذا الذنب.
- وفي الحقيقة أن التكفير عن هذا الذنب في بعض الحالات يكن واجبا، وفي البعض الأخر يكون جائزا، فمتى يكون التكفير عن الحنث في اليمن واجبا ومتى يكون جائزا.
- يكون التكفير عن الحنث في اليمين واجبا في حالة أن الشخص الذي قام بالفعل واعيا لما حلف عليه وكان في حالته الطبيعية، أما إذا كان الشخص غير عاقل أو في حالة غضب أو عصبية، فاليمين في هذه الحالة لم ينعقد عليه، ولم يجب عليه القيام بالتكفير عن الحنث في اليمين.
- وعلينا أن نذكر بأن الحنث في اليمين له أنواع وطرق عدة يقوم بها العبد وفي هذه الحالة لا تقبل توبته إلا بكفارة فرضت عليه من خلال مخالفته لليمين أو للقسم، وسنقوم بتوضيح بعض أنواع الحنث في اليمين من خلال التالي.
من شروط الحنث العمد
أما الحنث عن عمد وهو الحنث عن قصد، وعكس العمد أو القصد، هو الجهل والنسيان والخطأ، فهذا ما لا يقع عليه الحنث العمد، والذي اتفق على هذا القول من العلماء هم، الشافعيَّةِ -في الأظهَرِ- ، والحَنابِلةِ ، وهو قَولُ طائفةٍ مِن السَّلَفِ ، وهو اختيارُ ابنِ حَزمٍ ، وابنِ تيميَّةَ ، وابنِ القَيِّمِ ، واستظهَرَه الشَّوكانيُّ ، والشِّنقيطيُّ ، ورجَّحَه ابنُ باز ، وابنُ عُثَيمين.
- فيقول الله تبارك وتعالى عن الحنث العمد وعكسه: “وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ”، فلا حرج على المخطئ الغير متعمد.
- ويقول ابنِ عبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهما، عَنِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: (إنَّ اللهَ وَضَع عن أمَّتي الخطَأَ، والنِّسيانَ، وما استُكرِهوا عليه).
- فلا شك أن هذه الأية وأيضا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم دلالة على أن الله تبارك وتعالى يعفي المخطئ والناسي من كفارة اليمين، فلا حرج عليهم، ففعلهم الخاطئ كفعل النائح من خلال عدم التكليف به.
من شروط الحنث العقل
ومن العلماء الذين تناول هذا المذهب هم الشافعيَّةِ، والحَنابِلةِ، ابنُ حَزمٍ، ويذهبون إلى أن الحنث يقع على العاقل فقط، ولا يقع على المجنون.
- فتقول السيدة عائشة رضي الله عنها، عن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: (رُفِعَ القَلَمُ عن ثلاثٍ: عن النَّائِمِ حتى يَستيقِظَ، وعن الصَّغيرِ حتى يَكبَرَ، وعن المجنونِ حتى يَعقِلَ أو يُفيقَ).
- فنستنتج من هذا الحديث من قول رسول الله صل ى الله عليه وسلم أن المجنون الغير عاقل رفع عنه القلم أي ليس عليه حرج في حنث اليمين إلى أن يعقل.
الحنث في الطلاق
هناك البعض من الرجال يقم بحلف الطلاق على زوجته، في حالة إنه لا يريدها أن تقم بفعل أمر ما من الأمور الذي يبغضها أو لم يكن راضيا عن فعلها، فهذا الحلف بالطلاق هل يقع عليه الحنث في اليمين كغيره، وتكون الكفارة عن ذلك الحنث في الطلاق واجبة أم جائزة، وهذا ما نتطلع عليه تفصيليا من خلال النقاط التالية.
- في بعض الحالات يقوم الزوج بحلف الطلاق على زوجته لكي لا تقم الزوجة بفعل شيء معين لا يرغب الزوج بفعله، فيحلف بالطلاق، فهنا الكفارة واجبة عليه، وهي كفارة اليمين.
- وإذا كان حلف الطلاق كان الغرض منه الطلاق وكان ذلك هدف الزوج وهو واعيا وفي حالته الطبيعية لم تكن ناك كفارة يمين في هذه الحالة لوقوع الطلاق بالفعل.
- أما إذا كان الزوج قام بحلف يمين الطلاق على الزوجة وهو في حالة من الغضب والعصبية، يكون حكم كفارة اليمين هنا غير واجبة.
الحنث العظيم
يقول الله تبارك وتعالى في سورة الآية رقم 46 من سورة الواقعة: “وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ”، ومعنى هذا الآية هو يقيمون أو يفعلون الذنب والإثم والخلاف العظيم.
- اختلف بعض العلماء في تفسير معنى الحنث العظيم، والبعض قد توافق الرأي مع العلماء السالفين لهم.
- فيقول الطبري عن الحنث العظيم هو الذنب العظيم، وهو الشرك بالله تبارك وتعالى.
- أما كلا من يعقوب بن إبراهيم، وأبو تُميلة، وعبيد بن سليمان، والضحاك أن الحنث العظيم هو الشرك بالله.
- ويقول ابن عبد الأعلى، وابن ثور، ومعمر، وقتادة، أن الحنث العظيم هو الذنب العظيم.
- وبالنسبة ليونس، وابن وهب، وابن زيد، قالوا أن الحنث العظيم هو الذنب العظيم الشرك لا يتوبون ولا يستغفرون.
كفارة الحنث
يقول الله تبارك وتعالى في الآية رقم 87 من سورة المائدة: “لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ”.
- فالكفارة عن اليمين أمر واجب على كل مسلم عاقل بالغ في حالته الطبيعية، والكفارة عن الحنث في اليمن هي إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ.
- أما يقول عبدِ الرَّحمنِ بنِ سَمُرةَ رَضِيَ اللهُ عنه، قال: قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: (يا عبدَ الرَّحمنِ بنَ سَمُرةَ، لا تَسألِ الإمارةَ؛ فإنَّك إنْ أُوتيتَها عن مسألةٍ وُكِلْتَ إليها، وإنْ أُوتيتَها مِن غيرِ مَسألةٍ أُعِنْتَ عليها، وإذا حلَفْتَ على يمينٍ فرأيتَ غَيرَها خيرًا منها؛ فكَفِّرْ عن يمينِك وَأْتِ الذي هو خَيرٌ).
- فقوله فكَفِّرْ عن يمينِك وَأْتِ الذي هو خَيرٌ دلالة على أن أمر التكفير عن الحنث في اليمين أمر واجب.
وإلى هنا عزيزي القارئ نكون قد توصلنا إلى معرفة صحة عبارة الحنث هو مخالفة ما حلف عليه ووجدنا من خلال القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن العبارة صحيحة.