آثار الذنوب والمعاصي
(إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ) ( القصص 56).
إن بني البشر من طبيعتهم الوقوع في الأخطاء ولكن يقبل الله التوبة من الذي يبادر ويسرع في العودة إلى الله عز وجل، قال رسول الله صلى الله وسلم: “كل بني آدم خطاء، وخير الخطّائين التوابون”.
من خلال هذه الآية يمكننا أن نتعرف على العديد من الأمور التي ترغب بها النفس لطريق الهدي، كما يمكننا أن نعلم ما هي الأضرار الجسيمة التي تقع فوق رؤوسنا من المعاصي والذنوب، فيما يلي سوف نعرض الأضرار والآثار السيئة على العباد والبلاد:
حرمان العلم
إن العلم نور ومن يسلك طريق العلم فقد فتح الله أبواب لا تُغلق من الخير، ولكن من تدخل المعصية إلى قلبه تطفئ ذلك النور، حيث أن الذنوب تعمي البصيرة وتحلق على صاحبها بالهلاك والظلام وتسد طرق وسبل العلم المتاحة، وتمنع موارد الهدايا من الله.
عندما يريد أحد الابتعاد عن المعاصي فلا سبيل سوى القرآن الكريم، حيث لا يتعلم أحد القرآن الكريم ولا ينساه إلا بذنب، قال الله تعالى: ( وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ) (الشورى 30).
وحشة في القلب
يصل إلى قلبك شيء من الخوف والوحشة والضيق في البداية تكون بين العبد وربه ثم تنتقل إلى أن تصبح بينه وبين العباد حيث أنها تقوي حتى بينه وبين أقاربه وأهله، وهنا يبدأ أن يبعد عن مجالس الخير والصلاح ويقترب من مجالس السوء والشيطان.
كما أن الوحشة التي تخلق بقلب العاصي لا يُقارنها أحد باجتماع ملاذ الدنيا كلها، ومن ثم يرى العاصي معصيته في أقرب المقربين له، كما أن وحشة القلب تجعل للدنيا مرار مثل العلقم في الحلق.
كلما زاد ابتعادك عن الله زادت في قلبك الوحشة والمعصية، لذلك فاقترب من الله عز وجل حتى يبعد عنك الهم ويفك لك الكرب فلا يوجد أنيس في هذه الحياة سوى الله فهو عالم الغيب.
قلة التوفيق وتعسر الأمور
العاصي لا يتوجه ناحية أمر ما إلا ووجده متعسراً ومغلقاً، قال الله تعالى: (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا) (الطلاق 2-3)، الرجوع لله عز وجل اللجوء إليه في السراء والضراء يفتح لك الأبواب المغلقة والتي انقطعت عنها الأسباب.
وهن البدن
من يطع الله يمتلك قوة في قلبه، وكلما ازداد قلبه قوة زاد بدنه قوة وصحة، على النقيض تماماً يكون الفاجر والعاصي من أضعف الناس بدناً وقلباً، وقد تخونه قوته في العديد من المواقف وهو في أشد الحاجة إليها.
حرمان الرزق
من يتق الله يرزقه من حيث لا يعلم، قال تعالى: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) ( الأعراف 96).
من ترك تقوي الله وطريق الخير فقد حل عليه الفقر والفاقة والضيق وأشتد كربه، ومن يفقعل ذنب أ, معصية فهو يحرم عليه وعلى أهله الخير والرزق، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” إِنَّ الْعَبْدَ لَيُحْرَمُ الرِّزْقَ بِالذَّنْبِ يُصِيبُهُ”.
هلاك بركة العمر
أن المعاصي والذنوب تهلك البركة في الدنيا والدين، فالعبد الذي يبتعد عن الله عز وجل وينشغل بالمعاصي والذنوب يضيع أيام عمره الحقيقية.
عمر الإنسان هو مدى صلته بالله عز وجل والصلة بالله تكون من خلال البر والتقوي الطاعة، حيث وصف الله الكافرين بأنهم أكثر الناس ضياع للدنيا كما وصفهم بأنهم أموات،قال الله تعالى: (أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ) (النحل 21).
حرمان الطاعة
تكون الطاعة بيد الله ولا تحدث إلا بتوفيق الله وهدايته للعبد، هذا الطريق بالاختيار وليس الإجبار عندما يختار العبد طريق الذنوب والمعاصي فهذا يقطع عليه طريق الطاعة ولا يوفق لها بأي شكل، كما أنه تضعف قوة إراداته ناحية التوبة وتكون إرادة المعصية أقوى من كل شيء.
تعمل الذنوب على تقييد صاحبها وحتى وإن كان في قلبه شيء بسيط للعودة إلى الله لذا لا بد من التوبة النصوحة إلى الله.
لباس الذل
يصاب الرجل بالمذلة عندما يحدث ذنباً وحتى وإن كان الذنب سراً، حيث إنه يجد عقوبة ذنبه عاجلاً أم آجلًا، فالعز في طاعة الله والذل في المعصية وارتكاب الذنب.
هوان المذنب على الله
إن المذنب قد هان عليه الله عز وجل وعصيه، ولو كانزا عادوا إليه فقد عصمهم وحماهم، وإن هان العبد على ربه فلا يكرمه أحد، قال الله تعالى: (وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ) (الحج 18).
وعند رؤيتك لمذنب يعصي الله والناس تعظمه فهذا من الظاهر وإما أن يكون لمصلحة أو ما تتلعه الأهواء والمشارب.
هوان المذنب على الناس
المذنب تسقط منزلته عند الله وفي أعين الناس وقلوبهم، حتى يصبح خامل الذكر ويرثي لحاله، ولكن إن كان العبد من أهل الطاعة لله عز وجل أصبح من أكرم الخلق، قال تعالى: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) (الحجرات 13).
لعنة البهائم للمذنب
لم يكن عقاب المذنب كافياً من قبل بني البشر فقط ولكن حتى البهائم والدواب تلعن العاصين من بني البشر ومنعت السماء قطرها على صاحب المعصية، قال تعالى: (فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ) ( الدخان 29)
زوال النعم
تنهمر نعم الله عز وجل على العبد المطيع الخاضع لله عز وجل، أما المعاصي فهي من النقم التي تمنع النعم، فإذا أراد الله لحفظ النعم لعبده وألهمه الرعاية والطاعة، وإن أراد الله لأزالها وخذله، لذا يتوجب عليك عندما تكون في نعمة أن ترعاها لأن المعاصي تزيل النعم.
التوبة في الإسلام
تحتاج التوبة إلى إرادة وعزيمة قوية خاصة ومن بعد أن اعتاد المذنب على ارتكاب الذنوب والمعاصي، وكذلك أيضاً لأن الشيطان يوسوس لصاحبه أن يبعد عن التوبة لأنه قد تكون السبب في الفضيحة بين رفقاء السوء ولكن أوضح النبي الكريم صلى الله عليه وسلم في حديث له: “تُعرَضُ الفِتَنُ على القُلوبِ عَرْضَ الحَصِيرِ عُودًا عُودًا، فأيُّ قلبٍ أُشْرِبَها نُكِتَتْ فيه نُكتةٌ سَوداءُ، وأيُّ قلبٍ أنْكَرَها نُكِتَتْ فيه نُكتةٌ بيضاءُ، حتى يصِيرَ القلبُ أبيضَ مثلَ الصَّفا، لا تَضُرُّه فِتنةٌ ما دامَتِ السمواتُ والأرضُ، والآخَرُ أسودَ مُربَدًّا كالكُوزِ مُجَخِّيًا، لا يَعرِفُ مَعروفًا، ولا يُنكِرُ مُنكَرًا، إلا ما أُشْرِبَ من هَواه”.
- عندما يتعرض الإنسان للمعاصي يكون لديه طريقين إما أن يقبل المعاصي وينجرف نحو الظلام ويعتاد عيلها أو أن يعرض عنها ويرفض هذا الطريق، وهنا يكون في قلبه نقطة من النقاء والصفاء وحب الله.
- شبه الرسول صلى الله عليه وسلم صاحب المعاصي بالكوب المنكوس الذي لا ينفع ولا فائدة منه.
- التوبة قد تأتي عند اعتراف العاصي بذنبه، وقد تم تكرار الكلمات التي يمكن استخدامها للتوبة إلى الله عز وجل ولا بد لصاحب الذنب أن يكون نادم عما فعل ويتعهد أمام الله أنه لا يعود لطريق المعاصي مرة أخرى حتى يتقبل الله منه التوبة.
دواء الذنوب والمعاصي
عندما يستغفر المذنب ويعرف ذنبه يحتاج إلى تطهير نفسه وعلاجها من الذنوب وإن كانت الذنوب صغائر أو كبائر، حيث إن الذنوب تشبه الأمراض التي يتوجب علي صاحبها أن يقي نفسه حتى لا تعود له مرة أخرى وحتى لا يستسلم لها مرة أخرى، فإن الأمراض إذا تركتها من دون علاج فتضعف البدن وتهلكه ومرض الذنب إذا تركته من دون علاج يهلك الروح، علاج الروح هو الأهم بكثير لأنه طريق الهداية والطريق إلى الجنة يوم القيامة، لذلك فتح الله جميع الأبواب لعباده حتي يعودون إليه ويرجعون عن الذنب وكل ذلك من رحمة الله تعالى، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ما من عبدٍ يُذْنِبُ ذنبًا فيتوضأُ، فيُحْسِنُ الطُّهورَ ثُمَّ يقومُ فيُصلِّي ركعتينِ، ثُمَّ يستغفرُ اللهَ بذلكَ الذنبِ، إلَّا غُفِرَ لَهُ”.