لا شك أن العدل هو صفة من صفات الله عزل وجل واسم من أسمائه، ومن هنا سنقوم من خلال هذا المحتوى بتناول مفهوم العدل اصطلاحًا هو والذي نقدمه لك عزيزي القارئ من خلال الموسوعة، بالإضافة إلى معرفة أهمية العدل في الحياة، ولا شك إننا نطلع أيضا على مصطلح العدل من خلال القرآن الكريم والأحاديث النوية الشريفة، ومن أقوال السلف والعلماء عنه.
العدل اصطلاحًا هو
العدل في مفهومه وتعريفه هو عدم الانحياز إلى أحد الأشخاص أو الأطراف عن الطرف الآخر، فهو في النهاية مسألة إنسانية بحتة، وعلاقة بين الإنسان وربه في الحكم بالعدل، لإنه يكون نابعا عن إحساسا داخلي.
- فالعدل اصطلاحا هو أن تحصل على الأخذ مقابل العطاء، فما قمت بإعطائه ووهبه لأحد، فمن العدل أن يرد إليك هذا المقابل كما قمت وفعلت به.
- وينقسم العدل من حيث التعريف الاصطلاحي له إلى عدل سياسي، وعدل في الدين، وعدل في التعليم، وعدل في الحياة بوجه عام.
- وبالنسبة إلى تعريف العدل في اللغة، يأتي من عدلَ يعدلُ عدلاً، ففي اللغة يقال أن العدل هو الإنصاف، وقد يقال المساواة أيضا، وعدم العنصرية والانحياز إلى إحدى الطريفين على حساب الطرف الآخر، والعدل ما يعاكس مفهوم الظلم.
- فلا شك أن العدل هو أساس أي حكم تقوم عليه دول وشعوب في العالم كله، ففي حين غياب العدل في الدولة يتفكك الشعب ويؤدي الظلم غلى دمار الشعوب والدول.
الفرق بين العدل والإنصاف والمساواة
كما عرفنا مما سبق بأن العدل هو ما يعاكس ما يتضمنه الظلم من معنى، وقلنا أيضا بأن العدل في اللغة يقال إنه الإنصاف وأيضا المساواة، فلعلنا من خلال النقاط التالية نطلع على الفرق بين كلا من العدل والإنصاف والمساواة.
- العدل كما علمنا إنه عدم الانحياز إلى أحد الأطراف عن الطرف الآخر، إلى جانب إنه يعتبر الأخذ مقابل العطاء.
- أما الإنصاف فهو التبادل بالنصف تماما، وهو نوع من أنواع العدل، فالإنصاف هو إعطاء الطرف الآخر نصف الشيء مقابل أخذ النصف الآخر وذلك من دون الزيادة أو النقصان عن النصف.
- بالنسبة إلى المساواة فهي المماثلة والمشابهة بين أمرين أو شخصين أو عدة أشخاص، فقي حالة التساوي في العدل والحكم هنا يطلق عليها المساواة، وهي نوع من أنواع العدل أيضا.
- نستنتج منى ذلك أن مصطلح العدل هو مصطلح شامل، يشتمل على كلا من الإنصاف والمساواة.
أهمية العدل
أما عن أهمية العدل، فله أهميات عديدة لا تحصى، ويكفي أن العدل اسم من أسماء الله تبارك وتعالى.
- العدل تقوم عليه البلاد في العلم كله لكي تتمكن من السيطرة على زمام الأمور.
- فالعدل لم يقتصر على الحكم السياسي في الدول فقط، بل إنه من ضمن ما يشتمل عليه هو العدل في الدين.
- كما ذكرنا أن المساواة والإنصاف من أنواع العدل، فإنهما أيضا يطبقا في الحكم في البلاد، وذلك يرجع إلى أن العدل أساس الملك.
- فلكي تملك زمام الأمور في كل شيء، كن عادلا ومساو ومنصفا في كل شيء أيضا.
العدل في القرآن الكريم
يذكر العدل دائما بلفظه العدل أو بالقسط، فالقسط مصطلح من مصطلحات العدل في القرآن الكريم، فمن خلال هذا المحتوى سنوضح لك بعض آيات القرآن الكريم التي ذكر بها العدل بلفظه أو بمعناه للتأكيد على أهمية العدل في الحياة بشكل عام.
- يقول الله تبارك وتعالى في سورة النساء: “إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً”.
- وأيضا في سورة النساء يقول الله تبارك وتعالى عن العدل: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا”.
- في قوله تعالى من سورة الشورى: “فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ”.
- يقول الله تبارك وتعالى في سورة فصلت: “وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ”.
- أما في سورة المائدة يقول الله عز وجل: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ”.
- يقول الله تبارك وتعالى من سورة الحجرات: “وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِين”.
- يقول الله عز وجل في سورة الأعراف: “قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ * فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ”.
- وفي سورة الأنعام يقول الله عزل وجل: “وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ”.
العدل في الأحاديث النبوية الشريفة
أيضا هناك الكثير من الأحاديث في السنة النبوية الشريفة عن العدل وأساسه في المجتمع، ومن هذه الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
- يقول النعمان بن بشير رضي الله عنه قال: (أَعْطَانِي أبِي عَطِيَّةً، فَقالَتْ عَمْرَةُ بنْتُ رَوَاحَةَ: لا أرْضَى حتَّى تُشْهِدَ رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فأتَى رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَقالَ: إنِّي أعْطَيْتُ ابْنِي مِن عَمْرَةَ بنْتِ رَوَاحَةَ عَطِيَّةً، فأمَرَتْنِي أنْ أُشْهِدَكَ يا رَسولَ اللَّهِ، قالَ: أعْطَيْتَ سَائِرَ ولَدِكَ مِثْلَ هذا؟، قالَ: لَا، قالَ: فَاتَّقُوا اللَّهَ واعْدِلُوا بيْنَ أوْلَادِكُمْ، قالَ: فَرَجَعَ فَرَدَّ عَطِيَّتَهُ).
- يقول عبادة بن الصامت رضي الله عنه: (بايَعْنا رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ علَى السَّمْعِ والطَّاعَةِ في المَنْشَطِ والمَكْرَهِ، وأَنْ لا نُنازِعَ الأمْرَ أهْلَهُ، وأَنْ نَقُومَ أوْ نَقُولَ بالحَقِّ حَيْثُما كُنَّا، لا نَخافُ في اللَّهِ لَوْمَةَ لائِمٍ).
- أما رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (القضاةُ ثلاثةٌ : واحدٌ في الجنةِ ، واثنان في النارِ ، فأما الذي في الجنةِ فرجلٌ عرَفَ الحقَّ فقضى به ، واللذان في النارِ رجلٌ عرفَ الحقَّ فجارَ في الحُكمِ ، ورجلٌ قضى في الناسِ على جهلٍ).
- ويقول أيضا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (إنَّما أهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ، أنَّهُمْ كَانُوا إذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وإذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ أقَامُوا عليه الحَدَّ، وايْمُ اللَّهِ لو أنَّ فَاطِمَةَ بنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا).
- يقول رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إنَّما الإمامُ جُنَّةٌ، يُقاتَلُ مِن ورائِهِ، ويُتَّقَى به، فإنْ أمَرَ بتَقْوَى اللهِ عزَّ وجلَّ وعَدَلَ، كانَ له بذلكَ أجْرٌ، وإنْ يَأْمُرْ بغَيْرِهِ كانَ عليه منه).
- قال رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (من طلب قضاءَ المسلمين حتى ينالَه ثم غَلبَ عدلُه جَوْرَه، فله الجنَّة، ومن غلبَ جورُه عدْلَه فله النار).
العدل عند السلف والعلماء
بعد ما تأكد السلف والعلماء من أهمية العدل التي وصى عليها الله تبارك وتعالى ورسوله الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، فتناول البعض منهم أحاديث عن العدل وأهمية في المجتمع.
- يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (إنَّ الله إنما ضرب لكم الأمثال، وصرف لكم القول؛ لتحيا القلوب، فإنَّ القلوب ميتة في صدورها حتى يحييها الله، من علم شيئًا فلينفع به، إنَّ للعدل أمارات وتباشير، فأما الأمارات فالحياء والسخاء والهين واللين، وأما التباشير فالرحمة، وقد جعل الله لكل أمر بابًا، ويسَّر لكلِّ باب مفتاحًا، فباب العدل الاعتبار، ومفتاحه الزهد، والاعتبار ذكر الموت ،والاستعداد بتقديم الأموال، والزهد أخذ الحقِّ من كلِّ أحد قِبَله حقٌّ، والاكتفاء بما يكفيه من الكفاف، فإن لم يكفه الكفاف لم يغنه شيء).
- أما ابن تيمية قال :(العدل نظام كلِّ شيء، فإذا أُقيم أمر الدنيا بعدل قامت، وإن لم يكن لصاحبها في الآخرة من خلاق، ومتى لم تقم بعدل لم تقم، وإن كان لصاحبها من الإيمان ما يجزى به في الآخرة).
- وابن القيم يقول: (ومن له ذوق في الشريعة، واطلاع على كمالها، وتضمنها لغاية مصالح العباد في المعاش والمعاد، ومجيئها بغاية العدل الذي يسع الخلائق، وأنَّه لا عدل فوق عدلها، ولا مصلحة فوق ما تضمنته من المصالح، تبين له أنَّ السياسة العادلة جزء من أجزائها، وفرع من فروعها، وأنَّ من أحاط علمًا بمقاصدها، ووضعها موضعها، وحسن فهمه فيها لم يحتج معها إلى سياسة غيرها البتة).
وإلى هنا عزيزي القارئ نكون قد توصلنا إلى معرفة العدل اصطلاحًا هو أن تحصل على الأخذ مقابل العطاء، وذلك من خلال عدم الانحياز إلى أحد الأطراف عن الطرف الآخر.